د حافظ أحمد عجاج الكرمي

231

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

البخاري ( ت 256 ه ) من قول عائشة ( ت 58 ه ) : أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ، حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكلم أسامة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « أتشفع في حدّ من حدود اللّه ؟ ! » ثم قام فخطب فقال : « أيّها الناس ، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الغنيّ تركوه ، وإذا سرق الضعيف منهم أقاموا عليه الحدّ ، وأيم الله ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » « 1 » ، وترد إشارة تثبت استقلالية القضاء في حديث معاذ بن جبل ( ت 19 ه ) عندما أرسله النبي صلّى اللّه عليه وسلم قاضيا إلى اليمن ، فقال له : « بم تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ » قال : بكتاب اللّه ، قال : فإن لم تجد في كتاب اللّه ؟ قال : فبسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « فإن لم تجد في سنة رسول اللّه ؟ » قال : أجتهد رأيي ولا الو . . . » « 2 » ويلاحظ أن قوله « لا الو » تفيد الاستقلالية وعدم الخضوع لأي نوع من أنواع الضغوط ؛ مما جعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم يؤيد هذا الفهم من معاذ بقوله : « الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 3 » . ومن الإجراات الإدارية التي أقرّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « مبدأ استئناف الحكم وتمييزه » يتضح ذلك من خلال مسألة الزبية التي قضى فيها علي بن أبي طالب باجتهاده ، وأصل هذه المسألة أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها ، فسقط فيها واحد من المجتمعين فجذب ثانيا ، وجذب الثاني ثالثا ، والثالث رابعا فقتلهم الأسد ، فاختلفت قبائلهم حتى كادت تقتتل ، فرفع ذلك لعلي بن أبي طالب - وكان قاضيا باليمن - فقال لهم : إني قاض بينكم بقضاء فإن قبلتموه فهو نافذ ، وإن لم تقبلوه فهو حاجز بينكم حتى تأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فهو أعلم مني بالقضاء ، فأمر بهم أن يجمعوا من الذين شهدوا الحادثة دية كاملة ونصف دية ، وثلث دية ، وربع دية ، فقضى للأسفل بربع الدية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة لجذبه لهم ، وللذي يليه بثلث الدية ، والذي يليه بنصف الدية من أجل أنه هلك فوقه واحد لجذبه ، وللأعلى الذي لم يهلك فوقه أحد بالدية كاملة ، فمنهم من رضي ، ومنهم من كره ، حتى وافوا رسول اللّه بموسم الحج ، فلما قضى الصلاة جلس عند مقام إبراهيم فساروا إليه فقال : « إني أقضي بينكم إن شاء

--> ( 1 ) ابن حجر ، فتح الباري ( ج 15 ، ص 94 - 102 ) . ( 2 ) أحمد ، المسند ( ج 5 ، ص 230 ) . وكيع ، أخبار القضاة ( ج 1 ، ص 98 ) . ( 3 ) أحمد ، المسند ( ج 5 ، ص 230 ) . وكيع ، أخبار القضاة ( ج 1 ، ص 98 ) . انظر : ظافر القاسمي ، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي « السلطة القضائية » ( ج 1 ) ، بيروت ، دار الثقافة ، ( 1398 ه ، 1978 م ) .